نُشر في الأصل لدى PwC في 20 مايو 2026
بات النقاش حول مستقبل الذكاء الاصطناعي يتشكّل أكثر فأكثر بمفاهيم مثل الذكاء الاصطناعي العام (AGI) والتفرّد التكنولوجي والذكاء الفائق، وهي مفاهيم يُستشهد بها كثيراً لوصف سيناريوهات تحوّل عميق، لكنها لا تُفهم دائماً بوضوح.
في هذا المقال، يعود Ricardo Pacheco Almeida، قائد تقنيات الذكاء الاصطناعي (AI Tech Lead) في PwC Portugal، إلى أصول هذه الأفكار ويرسم الطريق الذي ينبغي قطعه للوصول إلى ذكاء يفوق ذكاء البشر.

هل تعلم أن الذكاء الاصطناعي العام والتفرّد التكنولوجي والذكاء الفائق تصف رؤى مختلفة لمستقبل الذكاء الاصطناعي المحتمل؟
- يشير الذكاء الاصطناعي العام (AGI) إلى أنظمة قادرة على أداء طيف واسع من المهام المعرفية بمستوى أداء بشري؛
- ويدلّ التفرّد التكنولوجي على النقطة التي تتطوّر فيها هذه القدرة تطوّراً ذاتياً ومتسارعاً؛
- ويمثّل الذكاء الفائق مرحلةً تتفوّق فيها الآلات بانتظام على الأداء البشري في جميع الأنشطة الفكرية تقريباً.
بالنسبة إلى القادة والمؤسسات، فإن فهم هذه الفروق أكثر من مجرد تمرين أكاديمي. فالطريقة التي يُعرَّف بها الذكاء الاصطناعي العام تحدّد كيف يفسّر القادة والمؤسسات إمكاناته المستقبلية وآثاره المرتبطة في مجالات مثل التنظيم والاستثمار وإدارة المخاطر والتخطيط الاستراتيجي.
لذلك، لا يسعى هذا المقال إلى استشراف الآثار المحتملة لظهور هذه الظواهر على المجتمع والبيئة والاقتصاد والسياسة، بل يركّز على توضيح المفاهيم، وهي الأساس لأي نقاش مستقبلي.
من بدايات الذكاء الاصطناعي الإحصائي إلى الذكاء الاصطناعي التوليدي
لفهم الذكاء الاصطناعي العام والتفرّد التكنولوجي والذكاء الفائق، يجدر بنا أن نعود إلى زمن لم يكن فيه الذكاء الاصطناعي يهيمن بعد على النقاش العام. حين كنت أدرس اقتصاديات الابتكار، قبل سنوات من ظهور نماذج تجارية مثل ChatGPT، لم يكن الحديث عن الذكاء الاصطناعي في هذا المجال الدراسي متكرراً كما هو اليوم.
يعود مفهوم الذكاء الاصطناعي إلى عقود عدة. ورغم لحظات متعددة من «الضجّة» على مرّ السنين، مثل انتصار Deep Blue على بطل العالم في الشطرنج غاري كاسباروف عام 1997، ظلّ الذكاء الاصطناعي يُنظر إليه في الغالب على أنه مجموعة من التقنيات الإحصائية في جوهرها للتنبؤ والتصنيف والتعرّف على الأنماط، أي حالات الاستخدام النموذجية لتعلّم الآلة «التقليدي».
وكانت هناك تكهّنات بالفعل حول الكيفية التي يمكن أن تُفضي بها التكنولوجيا إلى ذكاء يفوق الذكاء البشري. وبرزت مدرستان فكريتان برؤيتين مختلفتين جذرياً: واحدة في أوروبا، والأخرى في الولايات المتحدة.
التفرّد الناعم (Soft-Singularity): الدماغ العالمي
في بلجيكا، ابتداءً من تسعينيات القرن العشرين، طوّر عالم السيبرنيطيقا فرانسيس هيليخن مفهوم الانبثاق والدماغ العالمي (أو التفرّد الناعم): حدث ذو طبيعة سلبية ينبثق فيه وعيٌ من الحجم الهائل للبيانات والروابط المتبادلة بين مليارات البشر والآلات. وستكون هذه الظاهرة مطابقة لطريقة عمل الخلايا العصبية البشرية: فهي منفردةً لا تملك أي قدرات ذكية، لكنها مجتمعةً تشكّل دماغاً. فالكلّ يتجاوز مجموع أجزائه.
بعبارة أخرى، كان يُتوقَّع أن «تستيقظ» الإنترنت من تلقاء نفسها، بوعيٍ ما، بفضل كمّ المعلومات الذي تحتويه. ستكون إذن ذكاءً فوقياً جماعياً وموزّعاً، يكون البشر المتّصلون أنفسهم جزءاً منه، ولا يتوقّف انبثاقه إلا على عدد الروابط القائمة.
التفرّد الصلب (Hard-Singularity): التفرّد التكنولوجي
إذا كانت الرؤية الأوروبية تعوّل على انبثاق سلبي، إذ ينشأ الذكاء طبيعياً من الروابط بين البشر والآلات، فإن الرؤية الأمريكية اقترحت شيئاً أكثر تعمّداً وأشدّ إرباكاً على الأرجح. ففي وادي السيليكون، ظهر مفهوم التفرّد التكنولوجي (أو التفرّد الصلب)، الذي روّج له مستقبليون مثل راي كورزويل (مثلاً في كتابَي The Singularity is Near عام 2005، وThe Singularity is Nearer عام 2024).
مصطلح «التفرّد» استعارة مأخوذة من الفيزياء والرياضيات. ويشير تحديداً إلى النقطة التي يتّجه فيها متغيّر ما (مثل الكثافة في ثقب أسود) نحو اللانهاية، فتكفّ قوانين الفيزياء الظاهرة عن أن يكون لها معنى. وسيكون هذا الحدث نقطة قطيعة في التاريخ يصبح فيها التطوّر التكنولوجي سريعاً إلى حدّ الدوار، فتنهار نماذج التنبؤ البشرية ويستحيل استشراف المستقبل.
المفهوم المحوري هنا هو «انفجار الذكاء»، الذي وصفه أولاً عالم الرياضيات والإحصاء I.J. Good: اللحظة التي نبتكر فيها ذكاءً اصطناعياً عاماً قادراً على تصميم نسخة محسّنة من نفسه. وستُطلق هذه العملية دورة من التحسين الذاتي التكراري: النسخة 1.0 تبتكر النسخة 2.0، والنسخة 2.0، لكونها أذكى، تبتكر النسخة 3.0 بسرعة أكبر، وهكذا دواليك. وستتكرّر هذه الدورة آلاف المرات بسرعات إلكترونية، لتنتج ذكاءً فائقاً (ASI) يتجاوز الفهم البشري في أيام أو حتى ساعات.
بعد عقود من I.J. Good وراي كورزويل، لم تبقَ هذه الفكرة حيّة فحسب، بل اكتسبت طابعاً ملحّاً. فهي الفكرة الغالبة وراء تقرير «AI 2027» الذي نشره عام 2025 كلٌّ من دانيال كوكوتايلو وسكوت ألكسندر وتوماس لارسن وإيلاي ليفلاند وروميو دين، والذي يسعى إلى التنبؤ بما سيكون عليه عام 2027، بافتراض تطوير ذكاء اصطناعي عام قادر على تحسين نفسه ذاتياً.
ما هو الذكاء الاصطناعي العام؟
تنطلق جميع السيناريوهات المرتبطة بالتفرّد التكنولوجي والذكاء الفائق من افتراض واحد: ظهور ذكاء اصطناعي عام. لكن ما هو الذكاء الاصطناعي العام تحديداً؟ وأين نحن من هذا الطريق؟
تبيّن أن تعريف الذكاء الاصطناعي العام أمر معقّد، إذ تشظّى الإجماع العلمي إلى تعريفات مؤسسية متباينة. فحتى اليوم، تعرّفه OpenAI من خلال أثره الاقتصادي (الحلول محلّ العمل البشري)، وتركّز Anthropic على مستويات المخاطر والسلامة (ASL)، فيما ترفض Meta (على لسان يان لوكون) المصطلح، بحجّة أن النماذج الحالية تفتقر إلى «نماذج للعالم» وإلى فهم «فيزيائي».
المنظور الذي أميل إلى تبنّيه هو الذي اقترحه مختبر الأبحاث Google DeepMind، وفرضيته المحورية «التركيز على القدرات، لا على العمليات». ويعني ذلك أنه يكفي لكي يُعدّ نظامٌ ما ذكاءً اصطناعياً عاماً أن يؤدي المهام بكفاءة مكافئة، من دون حاجة إلى امتلاك «الإحساس» أو محاكاة التفكير البشري. ففي نهاية المطاف، أياً كانت المهمة، ينبغي للذكاء الاصطناعي العام أن يتمكّن من إنجازها، من إعداد عرض تقديمي دقيق عن الأساطير الإغريقية إلى إجراء مكالمة لحجز أنسب مطعم في المدينة.
«تظلّ المنظورات المختلفة للذكاء الاصطناعي العام والتفرّد والذكاء الفائق ذات صلة بوصفها زوايا مختلفة للنظر إلى مستقبل الذكاء الاصطناعي التوليدي. وهي جميعاً تصلح أدواتٍ ومصادرَ إلهامٍ لوضع استراتيجيات طويلة الأمد، ولا سيما في القطاعات التي يكون فيها للذكاء الاصطناعي التوليدي الأثر الأكبر.»
Ricardo Pacheco Almeida، قائد تقنيات الذكاء الاصطناعي في PwC Portugal
المستويات الخمسة للذكاء الاصطناعي العام
لتوضيح الكيفية التي قد يتطوّر بها الذكاء الاصطناعي العام مع الوقت، يقترح Google DeepMind نموذجاً يصفه بوصفه سلّماً تطورياً، لا نقطة قطيعة ثنائية. ويقوم النموذج على محورين يُفضيان بدورهما إلى خمسة مستويات تصنيف:
- الأداء (عمق الكفاءة)؛
- والعمومية (اتساع نطاق المهام).
مصفوفة تصنيف تطوّر الذكاء الاصطناعي العام
المستوى 1 (ذكاء اصطناعي عام ناشئ)
أنظمة تتمتّع بالعمومية، لكن أداءها العام لا يُقارن إلا بأداء إنسان غير متخصّص. وهنا يصنّف DeepMind النماذج الرائدة الحالية، مثل أحدث نماذج OpenAI وAnthropic وGoogle.
المستوى 2 (ذكاء اصطناعي عام كفء)
العتبة التي يبلغ عندها النظام أداء 50% من البالغين المتخصّصين في طيف واسع من المهام.
المستويان 3 و4 (خبير وبارع)
حيث ترتقي القدرة إلى المئين 90 والمئين 99 من البالغين المتخصّصين، على التوالي.
المستوى 5 (ذكاء اصطناعي عام فائق للبشر)
أنظمة تتفوّق على 100% من البشر في جميع المهام.
يمكننا أن نعدّ أنه عند بلوغ المستوى 5 سنكون أمام ذكاء فائق، أي كيان افتراضي يفوق مستوى أدائه أداء جميع البشر في جميع المهام، بوجه عام. وسيكون للوصول إلى تكنولوجيا بهذه الإمكانات أثر عميق جداً في كل ما نعرفه.
ذكاء اصطناعي عام متعدد الوكلاء في المستقبل؟
قد لا يمرّ تطوّر الذكاء الاصطناعي العام عبر نموذج واحد يزداد قوةً، بل عبر أنظمة مؤلّفة من وكلاء متعدّدين متخصّصين يعملون بتنسيق. والسؤال المطروح الآن هو: كيف نصل إلى هناك؟ عبر نموذج واحد يزداد قوةً، أم عبر طريق مختلف؟
مع الظهور الحديث لوكلاء الذكاء الاصطناعي التوليدي، الذين يمكن تعريفهم بأنهم برامج تستخدم الذكاء الاصطناعي التوليدي لاتخاذ القرارات واستخدام الأدوات، يقترح DeepMind أن الذكاء الاصطناعي العام قد ينشأ طبيعياً من أنظمة وكلاء ذات تخصّصات متعدّدة وأدوات متاحة لها، بدلاً من دماغ أحادي متقدّم جداً. وقد بات هذا المنظور، الذي يزداد انتشاراً، يُعرف باسم «الذكاء الاصطناعي العام متعدد الوكلاء أو الذكاء الجماعي».
واللافت أن هذه الرؤية لذكاء ينبثق من التعاون بين وكلاء متعدّدين متخصّصين تذكّر بالدماغ العالمي لدى هيليخن، مع فارق جوهري: فهي لا تعتمد على انبثاق سلبي من الإنترنت، بل على أنظمة مصمَّمة عن قصد.
في نقاش يتأرجح بين الحماس والقلق، يُعدّ توضيح هذه المفاهيم أمراً أساسياً كي يتمكّن القادة والمؤسسات وصنّاع القرار من وضع تطوّر الذكاء الاصطناعي في إطاره على نحو مستنير ومسؤول. وينبغي أن يوجّه هذا الوعي نهجاً استراتيجياً وحصيفاً واستشرافياً تجاه الذكاء الاصطناعي على امتداد هذا القرن.